
في البدء كنتَ.. وكانت الزُرقة،
إليك أيها البحر المنسي.. يا سيد الأشواقِ
والخيبة.
إليك مريم.. يا زهرة الأوكيدا
والخراب العظيم..
يا سيدة المقام والمستحيلات كلها.*
شيءً ما يشبة هذه المدينة الصغيرة، وكأن يداً خفيةً تجعل من كل شيءٍ فيها عادياً بحيث يشابه مدن آخرى.. مدن تفصل بينها وبين غزة الكثير من المسافات والجبال العتيقة التي لا يحركها الا الزلازل.
واسيني الأعرج كتب سيدة المقام، وفيها يشكوا مدينته للفراغ الكئيب، يحاول ان يخلد قبحها وقسوتها البربرية.. مدينته تشبه كتيراً غزتنا.. تشبه سيدة الخراب التي ما ننفك نعود إليها في كل حين، وكأنها اختصرت كل العواصم والبلاد، وكأنها حالةٌ تكرر نفسها في كل الاماكن.. في بيروت في الجزائر في القاهرة، حتى في اشد احلامنا جمالنا نراها ماثلةً أمامنا بكل خرابها.
وهنا سأضع مقاطع من رواية سيدة المقام.. مقاطع رأيت فيها سيدة الخراب.
شيءٌ ما تكسر في هذه المدينة بعد أن سقط من علوً شاهق.
لست ادري من كان يعبر الآخر: أنا ام الشارع في ليل هذا الجمعة الحزين.الأصوات التي تملآ الذاكرة والقلب صارت لا تعد، ولم أعد أملك الطاقة لمعرفتها. كُل شيء اختلط مثل العجينة.
يجب ان تعرفوا أنّي منهك زمنتهك وحزين ومتوحد مثل الكآبة.*
"حراس النوايا" ينتشرون في المدينة مثل رمال رياح الجنوب الساخنة، تعرفين أنهم لا يأتون إلا عندما تخسر المدينة سحرها وتعود بخطى حثيثة الى ريفها الشفوي، الذي لا يقبل إلا بطقوسه. مدينة ساحيلة، كانت تتعشق الألوان، صحرها "بنو كلبون" ويجهز عليها الآن "حراس النوايا"..نتشممهم من بعيد، فنغير المعابر والطرقات. رائحة عطورهم القاسية والعنيفة تسبقهم، عطر يشبه قوته العطر الذي يسكب على جثث الأموات.
تشتهي كل الدروب في غزة الألم، كتيراً ما اسأل نفسي ما بال سكان هذه المدينة، وكأنهم غادروا أرواحهم وكأنهم يسابقون كآبتها الى حتفهم، غزة بعريها الجديد لا تشبه إلا نفسها، والموت.. كان الله هنا في يومٍ من الأيام لكنه ذهب الى غير رجعة.. غادرها بحثاً عن أرضٍ لا تأكل أولادها، عن أرضٍ لا ترضى الذل لآحلامها الصغيرة.. حراس النوايا مثل الآنبياء الجدد هنا.. مثل القابضين على أعناقنا باسم الدين والله الذاهب..
ما معنى الهوية في وطن ليس لك؟!
ما معنى وجودك حيث لا وجود له، حيث لا مكان ولا هواء، حيث الفراغ الأحمق الذي يساوي الضياع في عالمٍ ضبابي الملامح، لقد غيرنا جلودنا، فقدنا الإحساس أو يزيد..
من اين ياتي هذا الخوف المسحور؟ من اين ينفذ هذا السر؟ من اين تاتي رائحة الموت والكآبة؟ حاولت كل شيء، لكن من المستحيل عليّ الانتصار على عالم بلا قلب. ساعود الى وحدتي المحزنة، ابحث عنك في ابجدية الحروف، من الصعب ان نعيش داخل كومة الكلمات والضباب والسماوات التي فقدت الكتير من سحرها.*
صوت الليل ينسحب مخلفاً وراءه اصداء لأناس يذبحون ويحشرجون الحشرجات الأخيرة. أصوات تشبه أصوات السكاكين وهي تنغرس في الرقاب والصدور مخترقة الألياف، والعروق، واللحم والأحلام والغد البعيد.
القتلة المشاة. الطغاة. البغاة، قتلة الذاكرة والقضية، القتلة في الألم، في الأنفاس الأخيرة.
شيء ما في هذه المدينة انكسر بقوة وسقط من علو شاهق.
* واسيني الأعرج/ سيدة المقام.