الأربعاء، 18 يونيو 2008

دولة الأنفاق




قال فرجيل:
"يقدرون لأنهم يعتقدون أنهم يقدورن"

لا شيء تغير سوى،أن المدينة باعت ذاكرتها وهي تبحث الآن وسط الفراغات المقلقة، عن ذاكرة جديدة تستعيرهامن مدن قريبة أو بعيدة لا يهم..
دخلوا ذلك العالم الواسع، حيث للرأي ثمن وللصوت جسدٌ من رصاص، حيث للنهار ألف لون ولسان والليالي لا أنبياء فيها ولا قمر،الليل دينه النار وربه الابد.. دخلوا وهم لايعرفوا للنور طريقا ومشوا على بركة الفتاوى وشيوخ المرحلة..
دولة الانفاق الناس فيها بأفضل استثناء، أيدهم منعمة وشوارعهم ملغمة بالقاذورات، والأجساد المنتظرة نظرة من الله، دولة الانفاق فيها اغنية نشاز ولحن يأبي المغادرة، تئن الوجوه فيها تحت وطئة الفراغ الكئيب، يمنع الضحك الميادين والساحات العامة، في المدارس والمقاهي في البيوت وفي الحيز الصغير بينك وبين ذاتك..
لا أعرفها تلك الوجوه، ولم أقابل مدينة الخراب المتواحدة مع كآبتها، تتمايل الأجساد تحت الكلمات وبين التصاق الأيام مع غربتها التعسة، لست موجود في أي الأشياء القائمة، لست إلاي ومعي وحدي.
لم لم أكن إلا أنا وبركة الماء، أراها تتمارى أمامي وتبرق كأنها نجوم في السماء، كانت الشمس تلهب سطحها العاري من كل الأماني الضائعة، لم أكن إلا أنا وحلمي الغريب ماذا لم أزرعها بزهرة عباس الشمس؟! ماذا أغرق فيها متجاوزاً كل ظنوني الهاربة من قبة الأسئلة.
لم أكن ألا وسخريات البركة العامة، هي التي تعرف وتغرق من تشاء من الأجساد والأحلام، هي من تفيض على نفسها، تفتح صدر الارض فيخرج الأزرق البراق، لم أكن ألا انا وأمواجٌ عاتية من الزيف والتبلد، أمواجٌ من الجهل والتعامي والعدم.. أراني في خضمها البائس فأعلوا بذاتي وبكل أناتي الصامتة..

الاثنين، 16 يونيو 2008

خواطر في زمن الضياع

 

 

 

أستحضر قصيدة الشاعر شوقي بزيع "كلما حالفت أرضا أنكرتني خطواتي"

 

أنا الوادي الذي يقفرُ

بين الشكل والمعنى

وما من فكرةٍ شوهاء

إلا خلتها حبل نجاتي

لا يدي تكفى لكي اجتاز

هذا الأرخبيل المرّ

لا بوصلةُ تهدى

ولا صحراء تستنبح اصدئي

لكي أرفو بقاياي

بما يحملني معراجه المهتاج

فوق الظلماتِ

كلما آنست من شعري يقيناً

راودتني عن جنوني لغةٌ

غير التي أعرفها

كلما حالفت أرضا أنكرتني خطواتي...

 

ماذا بعد؟!

لا أدرى؟ لماذا الآن؟! أيضا لا أدرى؟!!! أكتب إلى الإنسان الهلامي الذي كان من الممكن أن يكون صديقي أو أخي أو رفيقي... كان من الممكن أن يكون حبل نجاتي...

ومن الممكن أن يكون الصدر الرحب الذي يسمعني ويفهمني ويرسل لي ولو جواباً صغير رداً على هذه النجوى.

 

من خلف كل الأيام المتراصة كحبات المسبحة ... ومن بين كل الوجه الباردة والغبية... ومن أعماق المشاعر التي تحاصرني على اختلاف ألوانها وأشكالها...

لا أجدني، ولا أجد أي شيءٍ لي، أو أي أحد كان من المفترض أن يأخذ بيدي لا أحد.... كانت موجودة دائماً، بكل صخبها ووجهها المتعب من تعبها، كانت غزة لكنها ضاعت  في زحمة الأيام وزحمة الطموحات المستحيلة... تخيل كيف تنقلب ملامح أحبائك... تخيل معي كيف تقابلها بكل لهفة العالم ولا تجد إلا لقاءٍ عقيم كعقم أحلامك....كيف وأنت في وطنك و بيتك تشعر بكل برد الدنيا ووحشة العمر... وأن ذلك القطار الذي يتحدثون عنه لا ولن يدخل ضمن حساباتك الشخصية لان القدر أراد ذلك... من أنا في عالم الأرقام ... والعملة الصعبة التي تجعل منى اشلاءاً مبعثرةً على حافة الطريق ... أو على سطح بيتي.... من أنا في عالمٍ لا يراني إلا كسراً عشرياً مسحوقا و محطم الخطى... من أنا؟!

هو السؤال السهل الممتنع، وأنا و بكل الغفلة أو التعامي أصبر وأحمل بغدٍ افضل وبعمرٍ اجمل... حتى الهرب ليس بمقدوري وغير متاح لي... والجهر بحقيقة الأشياء أيضا لا يدخل ضمن حقوقي المشروعة فلماذا ؟؟؟ لا أعلم.

 

هذا لا يدخل معايير التشاؤم والسوداوية، لا يدخل أبدا... لكنه قراءة واضحة  وحيادية للواقع هنا ولأي مكانٍ أبطاله يشبهون أبطال هذه الأرض وهذا الوطن العاق بأبنائه وبكل ما فيه ... وبكل صراحة _ لا أريده أبدا_ وإنما أريده بصورة أخرى ... أحتاج إلى أن أحلم فيه وأكتب لي وأذوب عشقاً وتقديساً لترابه وناسه ... أريده كما أريد العناد الجامح العاصف واللهاث خلف المجد المجنح بذكرى الفراق والغربة المرة.

أعرف بان لدى الكثير من الحديث والشكوى من جميع الناس ومنى... وأدرك في عملية بحثي عن بدايةٍ ما أكتبها بأنني أقامر...لكن ماذا يتعين علينا أن نفعل؟!

 

أقف الآن على هذا المرتفع في حياتي وأنظر إليها قاحلة مليئة بالشوك والتوحد وتمتد في برودة الماضي وبرودة المستقبل دونما نهاية.. ويبدو أنني كنت أحاول أن أستبدل الوطن والعالم كله بغزة... إنظر إلى أين وصلت إنها صفقة تكاد تكون مستحيلة في احتلالها واغتصابها ... لقد حاولت جهدي فيما مضى أن أستبدل الوطن بالكتب والعمل والرفيقات ثم بالعائلة ثم بالكلمة والعنف أحيانا.... وكان دائما يعوزني الانتساب الحقيقي، ذلك الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح "لك شيء في هذا العالم فقم"* أعرفته؟؟ وكان الاحتيال يتهاوى، فقد كنت أريد أرضا ثابتة أقف فوقها، ونحن نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء، والآن: كنت أمشى على رقع الجليد تلك، وليس كل ما فعلته وكل حماقاتي وطفولتي العزيزة إلا صوت تهشمها تحت الخطوات الطريدة.

مرة أخرى ما الذي يجرى؟ أي فوضى تحدث هنا... وجاء الشتاء وأنا أسابق الزمن فتسبقني الخناجر والانتظار.. ما الذي يبقى في انكسار العمر وذكرى الأماني المعلقة بين الأرض و السماء.

 

.... أحتاج لامد يدي للإنسان كي أستفهم منه الواقع والحياة وانكسار الجبين... أستلهم من روحه العصية على النسيان مقدرة التحدي والمواجهة وأختطف عمري من قبضة الديناصور... إختطف عمري من قيود الدولة الحمقاء واللاهثة خلف منعطفات الوهم الاسطوري بالعظمة والنبوة الكاذبة، خلف شبح الشعب الواحد والأرض المحررة.

ما الذي يبقى الآن... أعرف أن هذا الوهم ليس إلا محطة من محطات العقاب المبرمج و المعد مسبقا لنا... ما الذى ينفع فى مواجة الحياة وهل كتب لنا أن نواجهها بدل أن نتماشى معها ونتصالح؟؟!

 

 

* الجملة لغسان كنفاني.

الأربعاء، 4 يونيو 2008

سيدة الخراب

 

 

Monika Brand1

في البدء كنتَ.. وكانت الزُرقة،

إليك أيها البحر المنسي.. يا سيد الأشواقِ

والخيبة.

إليك مريم.. يا زهرة الأوكيدا

والخراب العظيم..

يا سيدة المقام والمستحيلات كلها.*

 

شيءً ما يشبة هذه المدينة الصغيرة، وكأن يداً خفيةً تجعل من كل شيءٍ فيها عادياً بحيث يشابه مدن آخرى.. مدن تفصل بينها وبين غزة الكثير من المسافات والجبال العتيقة التي لا يحركها الا الزلازل.

 

واسيني الأعرج كتب سيدة المقام، وفيها يشكوا مدينته للفراغ الكئيب، يحاول ان يخلد قبحها وقسوتها البربرية.. مدينته تشبه كتيراً غزتنا.. تشبه سيدة الخراب التي ما ننفك نعود إليها في كل حين، وكأنها اختصرت كل العواصم والبلاد، وكأنها حالةٌ تكرر نفسها في كل الاماكن.. في بيروت في الجزائر في القاهرة، حتى في اشد احلامنا جمالنا نراها ماثلةً أمامنا بكل خرابها.

 

وهنا سأضع مقاطع من رواية سيدة المقام.. مقاطع رأيت فيها سيدة الخراب.

 

شيءٌ ما تكسر في هذه المدينة بعد أن سقط من علوً شاهق.

لست ادري من كان يعبر الآخر: أنا ام الشارع في ليل هذا الجمعة الحزين.الأصوات التي تملآ الذاكرة والقلب صارت لا تعد، ولم أعد أملك الطاقة لمعرفتها. كُل شيء اختلط مثل العجينة.

يجب ان تعرفوا أنّي منهك زمنتهك وحزين ومتوحد مثل الكآبة.*

 

"حراس النوايا" ينتشرون في المدينة مثل رمال رياح الجنوب الساخنة، تعرفين أنهم لا يأتون إلا عندما تخسر المدينة سحرها وتعود بخطى حثيثة الى ريفها الشفوي، الذي لا يقبل إلا بطقوسه. مدينة ساحيلة، كانت تتعشق الألوان، صحرها "بنو كلبون" ويجهز عليها الآن "حراس النوايا"..نتشممهم من بعيد، فنغير المعابر والطرقات. رائحة عطورهم القاسية والعنيفة تسبقهم، عطر يشبه قوته العطر الذي يسكب على جثث الأموات.

 

تشتهي كل الدروب في غزة الألم، كتيراً ما اسأل نفسي ما بال سكان هذه المدينة، وكأنهم غادروا أرواحهم وكأنهم يسابقون كآبتها الى حتفهم، غزة بعريها الجديد لا تشبه إلا نفسها، والموت.. كان الله هنا في يومٍ من الأيام لكنه ذهب الى غير رجعة.. غادرها بحثاً عن أرضٍ لا تأكل أولادها، عن أرضٍ لا ترضى الذل لآحلامها الصغيرة.. حراس النوايا مثل الآنبياء الجدد هنا.. مثل القابضين على أعناقنا باسم الدين والله الذاهب..

ما معنى الهوية في وطن ليس لك؟!

ما معنى وجودك حيث لا وجود له، حيث لا مكان ولا هواء، حيث الفراغ الأحمق الذي يساوي الضياع في عالمٍ ضبابي الملامح، لقد غيرنا جلودنا، فقدنا الإحساس أو يزيد..

 

من اين ياتي هذا الخوف المسحور؟ من اين ينفذ هذا السر؟ من اين تاتي رائحة الموت والكآبة؟ حاولت كل شيء، لكن من المستحيل عليّ الانتصار على عالم بلا قلب. ساعود الى وحدتي المحزنة، ابحث عنك في ابجدية الحروف، من الصعب ان نعيش داخل كومة الكلمات والضباب والسماوات التي فقدت الكتير من سحرها.*

 

صوت الليل ينسحب مخلفاً وراءه اصداء لأناس يذبحون ويحشرجون الحشرجات الأخيرة. أصوات تشبه أصوات السكاكين وهي تنغرس في الرقاب والصدور مخترقة الألياف، والعروق، واللحم والأحلام والغد البعيد.

القتلة المشاة. الطغاة. البغاة، قتلة الذاكرة والقضية، القتلة في الألم، في الأنفاس الأخيرة.

شيء ما في هذه المدينة انكسر بقوة وسقط من علو شاهق.

 

* واسيني الأعرج/ سيدة المقام.