الاثنين، 16 يونيو 2008

خواطر في زمن الضياع

 

 

 

أستحضر قصيدة الشاعر شوقي بزيع "كلما حالفت أرضا أنكرتني خطواتي"

 

أنا الوادي الذي يقفرُ

بين الشكل والمعنى

وما من فكرةٍ شوهاء

إلا خلتها حبل نجاتي

لا يدي تكفى لكي اجتاز

هذا الأرخبيل المرّ

لا بوصلةُ تهدى

ولا صحراء تستنبح اصدئي

لكي أرفو بقاياي

بما يحملني معراجه المهتاج

فوق الظلماتِ

كلما آنست من شعري يقيناً

راودتني عن جنوني لغةٌ

غير التي أعرفها

كلما حالفت أرضا أنكرتني خطواتي...

 

ماذا بعد؟!

لا أدرى؟ لماذا الآن؟! أيضا لا أدرى؟!!! أكتب إلى الإنسان الهلامي الذي كان من الممكن أن يكون صديقي أو أخي أو رفيقي... كان من الممكن أن يكون حبل نجاتي...

ومن الممكن أن يكون الصدر الرحب الذي يسمعني ويفهمني ويرسل لي ولو جواباً صغير رداً على هذه النجوى.

 

من خلف كل الأيام المتراصة كحبات المسبحة ... ومن بين كل الوجه الباردة والغبية... ومن أعماق المشاعر التي تحاصرني على اختلاف ألوانها وأشكالها...

لا أجدني، ولا أجد أي شيءٍ لي، أو أي أحد كان من المفترض أن يأخذ بيدي لا أحد.... كانت موجودة دائماً، بكل صخبها ووجهها المتعب من تعبها، كانت غزة لكنها ضاعت  في زحمة الأيام وزحمة الطموحات المستحيلة... تخيل كيف تنقلب ملامح أحبائك... تخيل معي كيف تقابلها بكل لهفة العالم ولا تجد إلا لقاءٍ عقيم كعقم أحلامك....كيف وأنت في وطنك و بيتك تشعر بكل برد الدنيا ووحشة العمر... وأن ذلك القطار الذي يتحدثون عنه لا ولن يدخل ضمن حساباتك الشخصية لان القدر أراد ذلك... من أنا في عالم الأرقام ... والعملة الصعبة التي تجعل منى اشلاءاً مبعثرةً على حافة الطريق ... أو على سطح بيتي.... من أنا في عالمٍ لا يراني إلا كسراً عشرياً مسحوقا و محطم الخطى... من أنا؟!

هو السؤال السهل الممتنع، وأنا و بكل الغفلة أو التعامي أصبر وأحمل بغدٍ افضل وبعمرٍ اجمل... حتى الهرب ليس بمقدوري وغير متاح لي... والجهر بحقيقة الأشياء أيضا لا يدخل ضمن حقوقي المشروعة فلماذا ؟؟؟ لا أعلم.

 

هذا لا يدخل معايير التشاؤم والسوداوية، لا يدخل أبدا... لكنه قراءة واضحة  وحيادية للواقع هنا ولأي مكانٍ أبطاله يشبهون أبطال هذه الأرض وهذا الوطن العاق بأبنائه وبكل ما فيه ... وبكل صراحة _ لا أريده أبدا_ وإنما أريده بصورة أخرى ... أحتاج إلى أن أحلم فيه وأكتب لي وأذوب عشقاً وتقديساً لترابه وناسه ... أريده كما أريد العناد الجامح العاصف واللهاث خلف المجد المجنح بذكرى الفراق والغربة المرة.

أعرف بان لدى الكثير من الحديث والشكوى من جميع الناس ومنى... وأدرك في عملية بحثي عن بدايةٍ ما أكتبها بأنني أقامر...لكن ماذا يتعين علينا أن نفعل؟!

 

أقف الآن على هذا المرتفع في حياتي وأنظر إليها قاحلة مليئة بالشوك والتوحد وتمتد في برودة الماضي وبرودة المستقبل دونما نهاية.. ويبدو أنني كنت أحاول أن أستبدل الوطن والعالم كله بغزة... إنظر إلى أين وصلت إنها صفقة تكاد تكون مستحيلة في احتلالها واغتصابها ... لقد حاولت جهدي فيما مضى أن أستبدل الوطن بالكتب والعمل والرفيقات ثم بالعائلة ثم بالكلمة والعنف أحيانا.... وكان دائما يعوزني الانتساب الحقيقي، ذلك الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح "لك شيء في هذا العالم فقم"* أعرفته؟؟ وكان الاحتيال يتهاوى، فقد كنت أريد أرضا ثابتة أقف فوقها، ونحن نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء، والآن: كنت أمشى على رقع الجليد تلك، وليس كل ما فعلته وكل حماقاتي وطفولتي العزيزة إلا صوت تهشمها تحت الخطوات الطريدة.

مرة أخرى ما الذي يجرى؟ أي فوضى تحدث هنا... وجاء الشتاء وأنا أسابق الزمن فتسبقني الخناجر والانتظار.. ما الذي يبقى في انكسار العمر وذكرى الأماني المعلقة بين الأرض و السماء.

 

.... أحتاج لامد يدي للإنسان كي أستفهم منه الواقع والحياة وانكسار الجبين... أستلهم من روحه العصية على النسيان مقدرة التحدي والمواجهة وأختطف عمري من قبضة الديناصور... إختطف عمري من قيود الدولة الحمقاء واللاهثة خلف منعطفات الوهم الاسطوري بالعظمة والنبوة الكاذبة، خلف شبح الشعب الواحد والأرض المحررة.

ما الذي يبقى الآن... أعرف أن هذا الوهم ليس إلا محطة من محطات العقاب المبرمج و المعد مسبقا لنا... ما الذى ينفع فى مواجة الحياة وهل كتب لنا أن نواجهها بدل أن نتماشى معها ونتصالح؟؟!

 

 

* الجملة لغسان كنفاني.

هناك تعليق واحد:

Princess يقول...

عزيزي ميماس
حاول ان يكون هناك بصيص من الامل في خواطرك